zz

إن التوحيد الحقيقي الذي تعبّر عنه كلمة «لا إله إلا الله» الطيبة وتتضمنه، أي توحيد الله تعالى (جل جلاله) من جهة ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله السُّبحانية بكل أبعاده وتجلياته، يتحقق بمرحلتي النفي ثم (مباشرةً ومعه) الإثبات. وهذا يستوجب أن يُعلَن الله تعالى ـ الخالق الواحد المطلق لعالم الغيب والشهادة والأرض والسماوات وجميع الكائنات والموجودات، الفاطر الجاعل الرازق المدبّر المصوّر المربّي، الرحمن الرحيم، واجب الوجود، الحي القيوم، القادر المطلق، العليم الحكيم، الواحد الأحد ـ منزّهًا مبرّأً عاليًا عن كل أنواع الشرك (الجزئي والكلي والبعضي والعام…) والشراكة والنقص والعجز والضعف، من قِبَل الكائنات ذات العقل والإرادة، وبخاصة الإنسان، في كل شأن وبكل أبعاده، تصديقًا بالقلب وإقرارًا باللسان وإظهارًا بالعمل والفعل؛ وأن تُطبَّق عمليًّا، مع قبول كونه المعبود المطلق الواحد والرب الوحيد والإله الفرد الذي لا نظير له، وتصديق ذلك والإعلان عنه، جميعُ أوامره ونواهيه، أي أحكامه وقوانينه الإلهية، بوصفها الأسس والمبادئ المطلقة الخالصة غير المقيّدة وغير المشروطة للحياة الإنسانية.

وسيكون من الأنفع، إن شاء الله، أن نتناول بالتحليل (ولو بإيجاز) بُعدَي النفي والإثبات هذين للتوحيد الحقيقي، اللذين تحدثنا عنهما سابقًا لكننا مررنا بهما مرورًا عابرًا، تحت عناوين منفصلة.

  1. مرحلة النفي في التوحيد الحقيقي

إن كل إنسان ذي عقل سليم، بل حتى الشياطين من الجن والإنس، يعلم يقينًا أن الله تعالى (جل جلاله) هو الذي خلق الكون كله المرئي وغير المرئي وجميع المخلوقات، ابتداءً من أنفسهم ووجودهم؛ وأنه خلق القمر والأرض والشمس والنجوم والليل والنهار والتراب والماء والفصول والرياح والسحب والخضروات والفواكه والأشجار والنباتات والحيوانات، وخلاصة القول كل ما هو لازم وضروري للحياة بأصوله وفروعه، ويقلّبه ويدبّره ويسيّره، ووضعه في خدمتنا وللانتفاع به، وبذلك أصبح ممكنًا حفظ حياة جميع الكائنات، وفي مقدمتها الإنسان، واستمرارها. (والقرآن الكريم، الذي يلفت الانتباه إلى هذا الموضوع بمئات الآيات الكريمة، يبيّن ببلاغة وإيجاز شديدين أن «جميع الآلهة الباطلة والأصنام والطواغيت التي تُدعى وتُعبد من دون الله، لو اجتمعت كلها لما استطاعت أن تخلق ذبابة واحدة ضعيفة هزيلة……..، بل إنها من الضعف والذلة بحيث لو سلبتها الذبابة شيئًا، مثل قطرة دم امتصتها، لما استطاعت أن تستردها منها».[١] وبذلك تظهر تجليات العبودية والربوبية والألوهية المطلقة السُّبحانية وتعلقاتها المنعكسة على الحياة الإنسانية بكامل بهائها وكل أبعادها؛ أما الذين يستمرون (عنادًا) رغم هذا الحق والحقيقة الأوضح والألمع من الشمس في التمرغ في الشرك والكفر والظلم والطغيان، فإنهم يسيرون في بطلان وخسران دنيوي وأخروي، مادي ومعنوي، نحو أسفل سافلين.

نعم؛ من المعلوم أن الله تعالى (جل جلاله) هو الذي خلق الإنسان وكل الحياة والكون، وهو (جل جلاله) الذي يلبي كل احتياجاتهم. ومن الطبيعي أن يكون الحق والصلاحية في التصرف في تلك الموجودات، وهي ملكه ومملوكه، أي وضع القوانين والأحكام واللوائح لإدارتها وطلب الالتزام بها، له (الله تعالى)؛ أما الذين يسلكون طريقًا مخالفًا فيكونون في الشرك والكفر والظلم والطغيان عصاةً وبُغاة.

فإذن؛ إن المشاركة أو الشراكة أو التدخل بأي أسلوب وشكل (ولو يسيرًا) في واقع الله تعالى ـ خالق كل شيء، الحي القيوم، واجب الوجود، الواحد الأحد ـ وحقه وسيادته المطلقة كمعبود مطلق ورب وحيد وإله فرد لا مثيل له، أي الإشراك به، هو من الوحشية والجريمة والظلم والتعدي بحيث يُغيظ الكون (وهو ما ينبّه إليه القرآن الكريم بالآية: «إن الشرك لظلم عظيم»[٢]). وبذلك يتبيّن مدى أهمية الاجتناب عنه (الكفر والشرك) وإبعاد الناس (أفرادًا ومجتمعات) عنه بكل أبعاده كواجب وفريضة عقلية وإيمانية وإنسانية.

وعليه يمكننا أن نلخص في عدة بنود (بخطوطها الرئيسية وأبعادها العامة) شِق ومسألة نفي الشرك المذكور ورفضه، التي توصف بأنها مرحلة النفي في التوحيد الحقيقي، والتي يعبّر عنها شعار «لا إله» في كلمة التوحيد، وهي من جملة تعلقات العبودية والربوبية والألوهية المطلقة:

أ) نفي الشرك بالقلب

وسيتيح تصنيف وجه النفي هذا أيضًا في الفئات التالية فهمًا أوضح وأجلى للموضوع:

أ) رفض أي قوة أو شخص أو دولة أو مؤسسة أو منظمة تتجرأ على أخذ صفة العبودية (استعباد الناس واتخاذهم عبيدًا) الخاصة بالله تعالى والعائدة إليه، أو استعمالها، أو نسبتها إلى نفسها ولو جزئيًّا، ورفض كل وجودها ورؤاها وأفعالها في هذا الطريق (استعباد الناس وإخضاعهم وإطاعتهم لها ولأوامرها) بحقد ونفور وغيظ كبير؛ وعدم إفساح أي مكان في أصغر زاوية من القلب لهذه التشخصات والمظاهر والتمثلات والتخيلات الطاغوتية الشيطانية الخبيثة، ولو مؤقتًا وجزئيًّا؛ وعدّها أكبر عدو؛ ونقش ذلك في القلب وتثبيته على نحو لا يُمحى.

ب) في جميع ما يندرج في شمول الربوبية ومحتواها من التعليم والتربية الروحية والقلبية والعقلية والفطرية، والأخلاق والثقافة ونظرة الحياة وفلسفتها، رفض ونفي كل ما هو خارج عن الله تعالى وتعاليمه (جل جلاله) بالقلب، والتبرؤ التام منها ومن الأشخاص والقوى والمؤسسات التي تمثلها؛ وتطهير القلب الرقيق، وهو مجلى إلهي، من هذه الآراء والثقافات. وبذلك يُضمن حفظ القلب، ومن ثم الجسد والروح كله، من الشرك ومن العوامل التي تولّد الشرك.

ج) انطلاقًا من واقعة وحقيقة أن السيادة لله تعالى (جل جلاله) وحده وحده[٣]، عدم قبول أو تصديق «أي قانون أو نظام أو قاعدة أو حكم وضعه أو سيضعه شخص أو قوة أو مؤسسة مخالفًا لأحكام الله تعالى وقوانينه»؛ بل على العكس، رفضه ونفيه بنفور تام؛ واعتقاد أن مثل تلك القوانين والأحكام شرك وكفر، وأن واضعيها طاغوت وطواغيت، وأن الذين يتبنونها ولا يرفضونها مشركون وكفار، ونقش هذا الاعتقاد في كل خلية من خلايا الجسد.

د) الكفار والمشركون والمنافقون الذين هم أعداء الله تعالى (جل جلاله) ودين الإسلام العظيم:

  1. عدم اتخاذهم أولياء وحكامًا وأصحاب أسرار وأصدقاء، والبقاء في هذه الأمور في نفي ورفض قلبي شديد. فـ«لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء (رحمة ونصرة ومغفرة وهداية)»[٤]، «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم (من غير المؤمنين). لا يألونكم خبالًا ودّوا ما عنتّم. قد بدت البغضاء (وبعض العداوات) من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر. قد بيّنا لكم الآيات إن كنتم تعقلون»[٥]، «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء (وحكامًا ومدراء) بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم (من الكفار والمشركين والمنافقين واليهود والنصارى). إن الله (بموالاة الكفار والمشركين) لا يهدي القوم الظالمين. فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم (في موالاة الكفار)»[٦]؛ «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار (سائر) أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين»[٧]؛ «ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم (الكفار والمشركين والمنافقين) أولياء (أصدقاء وحكامًا) ولكن كثيرًا منهم فاسقون»[٨]. وآيات كريمة كثيرة كهذه تبيّن وتعبّر عن أن هذا (اتخاذ الكفار والمشركين أولياء وحكامًا) شرك وكفر، بل إن «أدنى ميل قلبي إليهم يولّد جهنم»[٩]؛ ولذلك فإن «التبرؤ من الكفار والمشركين والابتعاد عنهم واجب إيماني وضرورة».[١٠]
  2. عدم حمل ذرة من المحبة للكفار والمشركين والمنافقين ولأفكارهم الخبيثة ورؤاهم وأفعالهم وأنظمتهم. وعدم السماح بأن تجد حالة كهذه ـ وهي شرك وكفر ـ وتخيّل أو تصوّر لها مكانًا في القلب، بل ولا أن تمرّ به. وفي هذا الأمر إبقاء القلب في كل لحظة يقظًا حيًّا متنبهًا، بل جعل النفي في حالة هجوم وإنذار. والتطهر التام من الغفلة والجهل والعاطفية كالقرابة والوطنية والإنسانية. ونقش التحذير الإلهي لآيات «لا تجد قومًا (فردًا أو جماعة) يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون (يقيمون رابطة محبة ومودة مع) من حادّ (وضع حدًّا وتمرّد) الله ورسوله (وأحكامهما) ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم»[١١] وتثبيته في أعمق موضع من القلب.
  3. عدم الخوف أبدًا من الكفار والمشركين ومن القوى والأنظمة. وإدراك أن الخوف من الكفار شرك وكفر، وعدم إتاحة المجال في أي موضع من القلب وبأي شكل لأن يتخذ هذا الخوف والجبن والفزع مكانًا أو يبقى لحظة واحدة. والبقاء مسلّحًا في هذا الشأن أيضًا بسلاح النفي والرفض ويقظًا. «…فلا تخافوهم (أولياء الشيطان من الكفار والمشركين) وخافون إن كنتم مؤمنين»[١٢]. غير أن الخوف والقلق والتحفظ الذي ينبغي أن يُقصر على حفظ الدين والنفس والمال والنسل والعقل واتخاذ التدابير، يحفظ الدين وسائر العناصر الحيوية ما دام في الحدود المشروعة[١٣]؛ أما الخوف الممنوع غير المشروع فإنه «يؤدي إلى انهيار الدين والإيمان»[١٤] وهذا النوع من الخوف «من شأن الكفار والمنافقين وخلقهم وطبعهم»[١٥]
  4. عدم الميل أو التوافق أو المتابعة أو الطاعة للكفار والمشركين وأنظمتهم والبقاء دائمًا في حالة النفي والانفعال. وفهم أن اتباع الكفار والمنافقين والمشركين وأنظمتهم وقوانينهم وأحكامهم ورؤاهم وثقافتهم ومبادئهم، والانقياد لها وطاعتها، شرك وكفر أو يؤدي إليه، فهمًا بيقين القلب وكتحذير قرآني.[١٦]
  5. تطهير القلب من المشاعر والخلق والأخلاق والميول مثل كل أنواع الإسراف والتبذير والبخل والفحشاء والشهوات والأهواء وحب الدنيا الذي هو متاع الغرور، مما يدخل في إفساد القوى والأنظمة الشيطانية الطاغوتية وإضلالها، والبقاء دائمًا في حال يقظة في هذه الأمور أيضًا وحفظ حالة النفي والرفض بحساسية. إذ إن كل واحد من هذه (كلٌّ على حدة وجميعًا) عناصر سلبية مدمرة قاتلة تؤدي إلى انحراف الإنسان عن الهداية والطريق الحق أي خط التوحيد الحقيقي، ومن ثم إلى غرقه في مستنقع الشرك والكفر والنفاق والطغيان. نعم؛

«الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء»[١٧]؛ «الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل (يوصون به) ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا»[١٨]؛ «إن المبذّرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورًا»[١٩]؛ «…ولا تتبعوا خطوات الشيطان (آثاره وإيحاءاته) إنه لكم عدو مبين. إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون»[٢٠]

«أفرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلًا (تحفظه من الشرك)»[٢١]؛ «…ولئن اتبعت أهواءهم (رغبات الكفار والمشركين وآمالهم وشهواتهم) بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي (صديق وحافظ) ولا نصير (يطهّرك من الشرك ويوصلك إلى الهداية)»[٢٢]؛ «…ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى (دليل) من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين (الذين يظلمون بالانحراف إلى الشرك)»[٢٣]؛ «فلذلك (من أجل هذا) فادع (الناس إلى الحق والتوحيد الحقيقي) واستقم كما أُمرت ولا تتبع أهواءهم (وشهواتهم)»[٢٤]

«زُيّن للناس حب الشهوات (حب الرغبات والاشتهاءات) من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب (جمال الفرجة في مكان المصير)»[٢٥]؛ إلخ… آيات كريمة تؤكد هكذا مدى أهمية هذا الوجه وبُعد مرحلة النفي في التوحيد الحقيقي.

وبهذه المناسبة، بعد أن نورد (باختصار) هنا بعض أقوال المرحوم الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي (رحمه الله) وبياناته المتعلقة بالموضوع، وهو يلفت الانتباه إلى أن الدجال، الذي يمزّق الحياة البشرية بأشد أنواع الإفساد والإضلال في زماننا الذي نعيش فيه، والذي وصفه الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم) بأنه «أكبر فتنة في كل الأزمنة منذ خلق آدم (عليه السلام) إلى قيام الساعة»[٢٦]، قد نجح في بناء نظامه الطاغوتي وإحيائه ومواصلته عبر سبل الفسق والفجور وقنواته المذكورة، ننتقل إلى الموضوعات الأخرى، إن شاء الله. نعم؛

«(أحد الدجالين)؛ الدجال الأكبر، بإفساده الروابط التي تدير الحياة الاجتماعية للنصارى، يهيئ الأرضية للفوضوية ويأجوج ومأجوج. والدجال الإسلامي، وهو السفياني، يحاول أيضًا رفع بعض الأحكام الأبدية للشريعة المحمدية (صلى الله عليه وسلم) بمكائد النفس والشيطان، فيفسد الروابط المادية والمعنوية للحياة البشرية، ويترك النفوس الجامحة السكرى الطائشة سائبة، ويحلّ السلاسل النورانية كالاحترام والرحمة؛ وفي مستنقع الأهواء العفنة يفتح الباب لفوضى رهيبة بمنح حرية جبرية للتهاجم وحرية هي عين الاستبداد، حتى إن أولئك الناس لا يمكن ضبطهم حينئذ إلا باستبداد شديد جدًّا.[٢٧] وكذلك؛

«…جاء في الرواية: ‹يأتي زمان لا يبقى فيه من يقول الله الله.› أي: تُغلق التكايا ودور الذكر والمدارس التي يُقال فيها ويُذكر «الله… الله… الله…» ويوضع في الشعائر كالأذان والإقامة اسم آخر بدل اسم الله، (أي) يُقرأ الأذان والإقامة بالتركية.»[٢٨]؛ «… اشتُهر أن الدجال الإسلامي إذا مات صرخ الشيطان الذي كان يخدمه في «ديكيلي طاش» في إسطنبول للعالم كله وسمع الجميع ذلك الصوت: ‹لقد مات!› أي يُصاح ويُخبَر بالراديو الذي هو عجيب جدًّا ويحيّر الشياطين أيضًا.[٢٩]؛ «جاء في الرواية: ‹تُثقب يد السفياني الذي هو من الأشخاص المهمين في آخر الزمان.› (أي)؛ للسفاهة واللهو لا يبقى المال في يده من شدة الإسراف بل ينساب في الإسراف. فهذا الحديث ينبّه إلى أن ‹السفياني، بتشجيعه الإسراف وإيقاظه حرصًا وطمعًا شديدين، يمسك بالعروق الضعيفة للناس ويسخّرهم لنفسه.› ويخبر أن ‹من أسرف صار أسيره ووقع في فخه.› المسألة الثانية: ‹يصبح شخص مهول من آخر الزمان في الصباح وقد كُتب على جبهته: «هذا كافر».› ومن تأويلاته أن ذلك السفياني يضع على رأسه قبعة الإفرنج (القبعة) ويلبسها الجميع (بالإكراه).»[٣٠] وكذلك؛

«جاء في الرواية: ‹فتنة آخر الزمان مهولة إلى درجة أنه لا يملك أحد نفسه.› ‹…ومن تأويلاته أن تلك الفتن تجذب النفوس إليها وتفتنها. فالناس يرتكبونها باختيارهم، بل بلذة. والنساء، لشدة ميلهن فطرةً إلى إظهار جمالهن، يقعن بالرضا في تلك الفتنة ويضللن؛ والرجال المحبون للجمال فطرةً أيضًا ينهزمون أمام أنفسهم ويسقطون في تلك النار بسرور السكارى ويحترقون. وهكذا فإن لهو ذلك الزمان وكبائره وبدعه كالرقص والمسرح تجمع نفوس عبّاد الأنفس حولها كالفراش بجاذبية وتُذهل عقولهم.[٣١]؛ «…كلا الدجالين، بعد أن كسبا معونة اللجنة السرية لليهود التي تكنّ حقدًا على الإسلام والنصرانية (دينيهما)، ومعونة لجنة أخرى مهولة تحت ستار حريات النساء، بل حتى الدجال الإسلامي بعد أن خدع لجان الماسون وكسب تأييدهم، يُظنّ أنه ذو قدرة مهولة.»[٣٢]

«رأيت الدجال الإسلامي في عالم معنوي وعددته منكرًا تمامًا. ومن هذا الإنكار المطلق ينشأ جرأة وشجاعة يهاجم بها المقدسات. وعوام الناس لا يعرفون حقيقة الحال فيظنونها قدرة وشجاعة خارقتين. وكذلك فإن أمة مجيدة بطلة، وهي في هزيمتها، لوجود قائد ماكر مستدرِج كهذا لديها، تصفق له بعرق البطولة (بذلك الظن) دون النظر إلى ماهيته الخفية المهولة، وتضعه على رأسها وتريد أن تستر سيئاته»؛ «… تشير الرواية إلى أن صورته ستظهر في أمور كثيرة في زمن حاكميته كما أنه سيولد بين اليهود…»؛ «…في رواية قيل: ‹يظهر الدجال الإسلامي من جهة خراسان.› والأمة التركية، وهي أشجع أقوام الشرق وأقواها وأكثرها عددًا وأبسل جيش للإسلام، كانت في زمن تلك الرواية في نواحي خراسان ولم تتخذ الأناضول وطنًا بعد، فبذكر مسكنها في ذلك الوقت تشير إلى أن الدجال السفياني سيظهر بينهم. غريب، بل غريب جدًّا؛ إنه يحاول استعمال الأمة التركية والتركية الجنسية، التي كانت لسبعمئة سنة في يد الإسلام والقرآن شرفًا وشعارًا وسيفًا ماسيًّا، مؤقتًا ضد بعض شعائر الإسلام. لكنه لا ينجح ويتراجع. ويُفهم من الروايات أن الجيش البطل يخلّص عنانه من يده.»[٣٣] (حاشية)

و؛ …«… أيتها أوروبا التي أفسدها السفه والضلال وابتعدت عن الدين العيسوي! لقد أهديتِ روح البشر هذه الحال الجهنمية بالعبقرية العمياء التي تحمل عينًا واحدة كالدجال!»[٣٤] وبعد هذه الحقائق التي نقلناها عن الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي (رحمه الله)، الذي ينبّه بمثل هذه الخطابات والعبارات المفصلة إلى البنية الثابتة المدمرة للغرب، مولّد الدجال الإسلامي والسفياني ونظامه الخبيث ومربّيهما، ومصدر ومهد «المادية والإمبريالية والصهيونية» وكل أنواع عواصف الإنكار والفسق والفجور والطغيان، والذي هو مرادف مفهوم الشيطان الأكبر وحامل خاصية وصف الدجال الأكبر، يمكننا أن ننتقل إلى الموضوع الآخر، أي بُعد نفي الشرك عقليًّا وفكريًّا.

ب) نفي الشرك عقليًّا وفكريًّا

إن الإنسان الذي هو في وضع يقبل فيه ويسلّم فورًا بعقله السليم (بمقتضى فطرته وبنيته) أن الله تعالى هو المعبود الحق والرب المطلق والإله الواحد، يواجه وضعًا ومهمة تحقيق مرحلة نفي التوحيد (أي «لا إله») عمومًا (بإيجاز واختصار) بهذه الوجوه والجهات والتصنيفات وأداء هذا الشق من التوحيد:

أ) إن الذي ليس خالق الكون كله وجميع الموجودات لا يستطيع بالطبع أن يتجرأ على التسلط على المخلوقات والسيطرة على كائن سامٍ كامل كالإنسان وإخضاعه لنفسه، أي جعله عبدًا ورعية. فمن هو الخالق فإن المعبود المطلق والرب الحقيقي والإله الواحد هو هو وحده، ولا يكون إلا هو. ومن الواضح أنه إذا تجرأ كائن آخر (وجميعها مخلوقات) على مثل هذا الادعاء، فلن يعني ولا يمكن أن يعني شيئًا سوى جريمة شيطانية طاغية ومهزلة رذيلة. ورفض هذه ونفيها مقتضى كل عقل سليم.

نعم؛ إن «الخالق الواحد المطلق للسماوات والأرض وما بينهما وما فيهما هو الله تعالى»[٣٥] أمر معلوم يقينًا نصًّا وعقلًا وعلمًا وفكرًا. بل إن أشد الكفار والمشركين طغيانًا يضطرون إلى الإقرار بذلك: «ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخّر (لكم وللانتفاع بكم) الشمس والقمر ليقولن الله فأنّى يؤفكون (عن الله ودين الحق)»[٣٦]

و«إن جميع المخلوقات التي يعبدها المشركون من الناس من دون الله ويدعونها ويتضرعون إليها ويطلبون منها النصرة، أي جميع الأصنام والطواغيت والشياطين، لو اجتمعوا لما استطاعوا أن يخلقوا ذبابة ضعيفة صغيرة ولما استطاعوا أن يحموا أنفسهم منها باستمرار»[٣٧] يبيَّن ويُعلن في القرآن الكريم كحقيقة إلهية وعقلية، ويكاد يكون تحديًا، ويؤكد وجوب الاستسلام لله. نعم، إن الذبابة الصغيرة بل الذرة الواحدة ترتبط بجميع الموجودات وبالكون كله وتعتمد عليها بهذا القدر. فالذبابة الصغيرة والزهرة والنواة وقطرة الماء وكل مخلوق في حال وبنية تحتاج إلى القمر والشمس والليل والنهار والفصول والتراب والسحب وعناصر كثيرة كالأكسجين ومعادن لا تُحصى وفيتامينات وأغذية وإلى استمرارها وانتظامها وإلى المساعدات المجانية لآلاف العوالم والموجودات في السماوات والأرض. ومن لا يستطيع أن يخلق كل هذا لا يستطيع بالقطع أن يخلق ذبابة ولا زهرة ولا نواة ولا ذرة صغيرة، ولا أن يوفر حاجاتها اللازمة إلى الأبد. فكيف يمكن إذن للموجودات التي هي في هذا الوضع أن تشرك بالله؟ وكيف تجرؤ مخلوقات بسيطة كهذه على أن تضع نفسها (حاشا) مكان المعبود والرب والإله، أي أن تضع قانونًا وحكمًا ومبدأ وقاعدة وضابطًا لموجودات مثلها وتتجاهل القوانين والأحكام الإلهية أو تنكرها؟ ومن هنا يتبيّن أن النفي الكامل والرفض لمثل هذه الموجودات والأشخاص والمؤسسات والأنظمة التي تطغى وتتصنّم وتتشيطن، وتحقيق مرحلة نفي التوحيد عقليًّا وفكريًّا، واجب وضرورة إيمانية وإنسانية.

أما ما اكتشفه الإنسان واخترعه فهو مجرد تركيب وإظهار وبناء وليس ـ حاشا ـ إيجادًا من العدم وخلقًا. فكما أن مواد هذا التركيب وعناصره ومورّثاته ومعادنه وتعلقاته وخصائص تغيرها وتركبها قد خلقها الله تعالى (جل جلاله)، فإن الإنسان الذي يصنع ذلك التركيب والاختراع والصناعة (بعقله وعينه وأذنه وفمه ولسانه وقلبه ويده ورجله وروحه وسائر أجهزته وأعضائه) في ذاته بجميع أفعاله وخصائصه وكل قدراته، هو (أيضًا) الله تعالى (جل جلاله) الذي أوجده من العدم وخلقه. ومن القرآن الكريم الذي يعبّر عن واقع قطعي مشهود: «والله خلقكم وما تعملون (أعمالكم وأفعالكم)»[٣٨]؛ «الله خالق كل شيء (كل موجود وكل عمل) وهو على كل شيء وكيل»[٣٩] آيات كريمة كثيرة كهذه تنطق بهذه الحقيقة. نعم، لو لم يخلق الله تعالى (جل جلاله) العقل والفكر والقلب والروح والإدراك والشعور من الأحاسيس اللطيفة والكيانات، ولم يخلق الكثير من الأعضاء والأجهزة الداخلية والخارجية كاليد والرجل والعين والأذن والدماغ والدم، ولم يجهزها بالاستعدادات والوظائف المعروفة، فضلًا عن أن يركّبها في الإنسان، والأهم لو لم يخلق الإنسان نفسه بخصائصه الموجودة، فماذا كان سيكون الوضع حينئذ؟ هل كان من الممكن أن توجد أصلًا الاختراعات والاكتشافات والعلوم والثقافات والتقنيات البشرية التي تُطغي الناس الكافرين الجاهلين الظالمين وتطاغتهم وتتسبب في تشيطنهم ـ بلا حياء ـ حتى يتحدوا الله تعالى (حاشا)؟ ومن ذا الأحمق الذي صار حيوانًا فيقول «نعم» لذلك؟

وهكذا فإن نفي كل أنواع الشرك ورفضه عقليًّا وفكريًّا قد تحقق وتم عمليًّا. ومن غير الحاجة إلى الشرح أن تنفيذه وتطبيقه بتخطيط وبرمجة وتنظيم وعلى نطاق واسع، وأن التحرك لهدم الشرك هدمًا تامًّا في هذا المجال أيضًا وإرسال المشركين والطواغيت إلى أسفل سافلين من جهنم، واجبٌ عقلي وإيماني وإسلامي سيكون كذلك.

ب) إن جميع الموجودات المخلوقة عباد الله ومأموروه. ولذلك ينبغي لكل إنسان أن يسعى إلى تطهير نفسه وشخصه والأفراد والمجتمعات والمخلوقات التي يعيش معها من مرض «اتخاذ الآخرين عبيدًا والعبودية لغير الله» بالعقل والفكر والعلم والدليل والحجة والبرهان والمعطيات، وإلى القضاء بسلاح النفي والرفض على كل أفكار الشرك والكفر ومظاهرهما الواردة في هذا الشأن. فإن محاولة المخلوقين عبادًا أن يتخذوا الآخرين عبيدًا، أي فرض آرائهم وأفكارهم وأخلاقهم وثقافاتهم البشرية أو ثقافات كائن فانٍ مخلوق آخر مثلهم ودعوة الأشخاص إليها غير مشروع وغير أخلاقي، كما أن كون المرء عبدًا لنفسه أو لغيره، أي أن يكون ذليلًا للآراء والثقافات البشرية، غير عقلي وغير إنساني أيضًا. إن الأشخاص والمجتمعات لا يصبحون بشرًا أحرارًا حقيقيين إلا بالعبودية لله وحده ورفض العبوديات الأخرى، أي عبودية العباد للعباد، ونفيها. وهذا يتحقق برفض جميع الأحكام والآراء والثقافات والأنظمة البشرية الخارجة عن الأحكام والثقافات الإلهية رفضًا تامًّا وعدم منحها أي حق في الحياة.

نعم؛ إن الإنسان الذي هو أكرم المخلوقات[٤٠]، المخلوق في أحسن تقويم[٤١]، المجعول خليفة الأرض[٤٢]، يُعلم في بدايته الأولى (من جانبه المادي ـ البشري) أنه من تراب[٤٣]، من طين (أي من تراب مخلوط بالماء)[٤٤]؛ من طين لازب[٤٥]؛ وكذلك من سلالة من طين[٤٦]؛ من صلصال من حمإ مسنون[٤٧]؛ ومن صلصال كالفخار[٤٨] كـ«نفس واحدة» (الإنسان الأول ـ آدم عليه السلام) وخُلق منه زوجه، وهكذا تناسل من نفس واحدة، شخص واحد وذريته (في صورة رجال ونساء) وانتشروا وتفرقوا في الأرض، وهو نسل وكائن محتاج إلى أشياء كثيرة[٤٩]؛ «نحن خلقناكم فلولا تصدقون. أفرأيتم ما تمنون (من النسل). أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون»[٥٠]؛ «فلينظر الإنسان مم خلق. خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب»[٥١]؛ «وهو الذي خلق من الماء (قطرة) بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا (قرابة وزواجًا) وكان ربك قديرًا (على كل شيء)»[٥٢]؛ «الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين (تراب مخلوط بالماء). ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (حقير). ثم سوّاه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة (ومع ذلك) قليلًا ما تشكرون»[٥٣]؛ «إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج (من نطفة مختلطة) نبتليه فجعلناه سميعًا بصيرًا. إنا هديناه السبيل (إلى الحق) إما شاكرًا وإما كفورًا»[٥٤]؛ وكذلك؛

«يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث (بسبب الأوهام الشيطانية) (فانظروا إلى خلقكم) فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة (قطرة ماء) ثم من علقة (قطعة دم متجمد) ثم من مضغة (قطعة لحم ممضوغة) مخلّقة وغير مخلّقة (ذات خلقة معلومة ومجهولة) لنبيّن لكم (عظمة قدرتنا وتجلياتنا) (أجرينا خلقكم عبر هذه المراحل) ونقرّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى (معلوم) ثم نخرجكم (إلى الأرض) طفلًا ثم (نربيكم) لتبلغوا أشدكم (قوتكم وشبابكم) ومنكم من يتوفى ومنكم من يُرد إلى أرذل العمر (الضعيف الذي بلغ أدنى العمر) لكيلا يعلم من بعد علم شيئًا (ينسى ماضيه). وترى الأرض هامدة (يابسة ميتة) فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (وبذلك يُخلق الإنسان والمنتجات التي يحتاج إليها بيد القدرة الإلهية المعجزة)»[٥٥]

«ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة (قطرة ماء) في قرار مكين (في الرحم). ثم خلقنا النطفة علقة (قطعة دم) فخلقنا العلقة مضغة (قطعة لحم ممضوغة) فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ثم أنشأناه خلقًا آخر (روحيًّا وقلبيًّا وعقليًّا ومعنويًّا) فتبارك الله أحسن الخالقين (الخالق الواحد المطلق الأحسن). (كل تمجيد وتبريك لخالقية الله). ثم إنكم بعد ذلك لميتون. ثم إنكم يوم القيامة تُبعثون (من جديد)»[٥٦]. وبآيات كريمة كثيرة كهذه تُشرح مراحل الخلق ومساره ويُلفت الانتباه إلى كم هو كائن ومخلوق عاجز ضعيف محتاج، وإلى كم أن الله تعالى واجب الوجود الواحد الأحد الحي القيوم، الخالق ذو الجمال والكمال، صاحب القوة والقدرة والصنعة والصمدية والحكمة والرحمة والعلم والعلو.

ومع هذه الحقيقة والواقعة الإلهية القرآنية الكونية العقلية القطعية الرياضية العملية الحية المحسوسة، نشهد أن الإنسان يميل إلى الانحراف عن الحق، وينحرف في أماكن وأزمنة، وأنه يغرق في دوامة ضلال ووحشية تبلغ حد اتخاذ نفسه أو مخلوق آخر معبودًا ومولى ورًّبا ومالكًا وإلهًا أو حاكمًا وتحدّي الجناب الحق ـ حاشا ـ.

«(الله) خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون. خلق الإنسان من نطفة (قطرة ماء مُلقاة، المني) فإذا هو خصيم مبين (عدو)»[٥٧]؛ «أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة (بسيطة ـ حقيرة) فإذا هو خصيم مبين (عدو)»[٥٨] بهذه الآيات يُلفت الانتباه إلى موقفه وفعله العدائي الملعون تجاه الله تعالى (جل جلاله) ودين الحق؛ وأن الإنسان الذي هو في غاية الضعف[٥٩]، شديد العجلة في الخروج عن الحق والهلاك في الباطل[٦٠]، شديد الجدل والمخاصمة[٦١]، ظلوم جهول كفور كفّار فاسق فاجع طاغٍ، شقي خاسر[٦٢]، ولذلك فهو أضل من الحيوان وأدنى، أعمى أصم أبكم[٦٣] وفي أسفل مرتبة وموقع من الخسة[٦٤]، يُبيَّن ويُخبَر به صراحةً وعلنًا.

وهكذا؛ فإن الإنسان المحروم من الشعور الإنساني[٦٥]، الذي لا نصيب له من العلم والعرفان والمعرفة والثقافة[٦٦]، البعيد كل البعد عن الفقه والفكر (الفهم الدقيق والنظرة والتفكير)[٦٧]، الذي فقد تمامًا الملكات الإلهية السامية كالعقل والإدراك[٦٨]، قلبه صدئ (ران)[٦٩]، مغلّف (غلف)[٧٠]، ممتلئ بخوف الذل والجبن (الرعب)[٧١]، معوجّ منحرف (زيغ)[٧٢]، قاسٍ جاف كالحجر صلب[٧٣]، مصاب بمرض الكفر والشرك والنفاق (مريض)[٧٤]، موسوم بوسم الشرك والكفر والنفاق[٧٥]، مختوم على قلبه وسمعه وبصره ختمًا أبديًّا[٧٦]، خبيث نجس جدًّا[٧٧]، والقوة والمجتمعات المكونة من أمثال هذه الكائنات المشوّهة إنسانيًّا ـ فإن رفضها ونفيها بجميع جبهاتها ووجوهها واجب وضرورة عقلية وفكرية وفطرية وطبيعية وإنسانية، وهو من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى شرح. إن الذين حالهم وبنيتهم الحقيقية على هذا القدر من الذل والبؤس والرذالة، بمحاولتهم جعل الناس والمجتمعات الأخرى عبيدًا ورعايا لهم، ووضع آراء وأفكار وقوانين وقواعد وثقافة وأخلاق ومبادئ وأوامر ونواهٍ مخالفة لأحكام الله ومضادة له، وفرضها على الآخرين وتطبيقها، يتمردون تمردًا طاغوتيًّا على عبودية الله تعالى (جل جلاله) وربوبيته وألوهيته، ويجعلون أنفسهم ـ حاشا ـ في منزلة الرب والإله (؟)، وبذلك يتضح بجلاء أكثر مدى كونهم رمزًا للوحشية والحماقة.

فإذن؛ إن جميع الآراء والأفكار والأنظمة والأيديولوجيات والأديان والتيارات الباطلة، وهي كلها خارج الإسلام ومخالفة للوحي الإلهي وفي موضع ومكانة رؤية العالم البشرية ونظام الحياة وفلسفتها، وتعبّر عن الشرك والكفر والطغيان بأبعاد منفصلة، والمسماة العلمانية واللائكية والديمقراطية والليبرالية والرأسمالية والماركسية والشيوعية والاشتراكية والواقعية والمثالية والحداثة وما بعد الحداثة والإنسانوية والفاشية والشامانية والعدمية والبوذية والبراهمانية والوضعية والعقلانية والطوطمية والوثنية والنسوية والإقطاعية، والإلحادات التي هي تراكيبها، وكل الأشخاص والمجتمعات والمؤسسات والمنظمات والتنظيمات والقوى والمجالس والدول والحكومات والأنظمة التي تقوم عليها، ينبغي أن تُرفض وتُنفى بالكامل من أولها إلى آخرها عقليًّا وفكريًّا؛ وأن يُبذل أقصى الجهد العلمي والفكري والثقافي لإيصال جميع الناس أفرادًا وأسرًا ومجتمعات إلى هذا الوعي والإدراك، وبذلك تُهيَّأ الأرضية للوصول إلى مراحل النفي القولي والفعلي. وبهذه العملية يكون قد تحقق شق من مرحلة نفي التوحيد. والسلام.

ج) إن نفي أعراف وعادات الماضي الجاهلي المشرك وما تركه ميراثًا من أديان باطلة وأيديولوجيات وثقافة ضالة وأخلاق وطرق ورفضها، مقتضى العقل السليم والفكر الصائب والمنطق. لأن ما يحجب التوحيد الحقيقي ويزعزعه من الأساس وينقل الشرك والكفر جيلًا بعد جيل ويثبتهما ويربط الأجيال القادمة بالماضي المشرك هو إرث الثقافة والأخلاق والعقيدة الباطل الضال الجاهلي لذلك الماضي المذكور. نعم،

«وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون»[٧٨]؛ «إذ قال (إبراهيم) لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون. قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين. قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين»[٧٩]. وكذلك؛

«وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير»[٨٠]؛ «ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم. إنهم ألفوا آباءهم ضالين. فهم على آثارهم يُهرعون. ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين»[٨١]؛ «(قالوا) بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة (جماعة دينية على عقيدة وعرف وعادة دينية) وإنا على آثارهم (إرثهم وآثار كفرهم) مهتدون. (حال المشركين) كذلك؛ وما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها (المتنعمون المغرورون): إنا وجدنا آباءنا على أمة (عقيدة وطريق يخص مجتمعهم) وإنا على آثارهم (إرثهم الثقافي والاعتقادي والأخلاقي) مقتدون. (قال كل واحد من أولئك الأنبياء) أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم (الباطل كله)؟ قالوا إنا بما أرسلتم به (الأحكام الإلهية، دين التوحيد وهو الإسلام) كافرون. فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين (للأنبياء والكتب ودين الحق) (من خراب وخسران)»[٨٢]؛ فآيات كريمة كثيرة كهذه تضع أمام العيون بوضوح الموضوع ودرجة خطورته؛ وتلفت الانتباه (بقضايا علمية وعقلية ومنطقية) إلى ضرورة رفض ونفي هذا الشرك والكفر والجهل والطغيان المخالف للعقل والمنطق والعلم والشعور والإنسانية، بكل أبعاده وأجزائه.

وهكذا؛ فإن رفض ونفي جميع التيارات والمدارس والأنظمة العقلية والفكرية والفلسفية وجميع الأديان والأيديولوجيات الباطلة ـ مثل الليبرالية والعلمانية واللائكية والشيوعية والكمالية والاشتراكية والفاشية والديمقراطية وما بعد الحداثة والإنسانوية والصهيونية والإمبريالية والمادية والواقعية والمثالية والعقلانية والقومية والتلفيقية ـ أي كل الآراء والأفكار والعقائد والمعتقدات والثقافات والأخلاق والأعراف والعادات والتقاليد ونظرات العالم وأنظمة الحياة ومجموعة القوانين والقواعد والأحكام والمبادئ البشرية الطاغوتية المختلقة، التي انتقلت وورثت من الأشخاص والمجتمعات المشركة الضالة الظالمة الجاهلة في الماضي إلى عالم اليوم والحياة الاجتماعية والتي حوّلت وتحوّل الحياة الإنسانية إلى صحراء وجحيم رهيبين (المذكورة في البند السابق)، يظهر كواجب وضرورة عقلية وفكرية وعلمية ومنطقية وإيمانية وإنسانية. وذلك أن الملحدين والمشركين والمنكرين والمفسدين والمنافقين والكفار، وهم أضعف من البعوض أمام عظمة الله تعالى وكبريائه وأحقر وأدنى قيمة من ذرة نجاسة، فأي معنى وأي قيمة يمكن أن تكون لآرائهم المتغطرسة الطاغوتية الشيطانية الملعونة المخالفة للإسلام وضده ولأفكارهم ومدارسهم وأيديولوجياتهم وأديانهم وقوانينهم وقواعدهم وعقائدهم ومبادئهم وأنظمتهم غير المزبلة والقمامة والنجاسة والرذالة؟ ولذلك فقد وُصف في القرآن الكريم كل أنواع الشرك والمشركين بأنهم رجس وخبث ونجس[٨٣] وأُعلنت أوصاف مثل كلب يلهث[٨٤]؛ حمار يحمل أسفارًا[٨٥]؛ حمر مستنفرة فرّت من قسورة[٨٦]؛ شر الدواب (الزواحف) في الأرض[٨٧]؛ أضل وأدنى من الأنعام بأضعاف[٨٨] وصفًا وصفةً وخاصية مشتركة لجميع الكفار والمشركين. وإن وقائع التاريخ والوقائع الجارية في عصرنا وحياة الإنسان التي عاشها وتعيشها تُشاهَد عمليًّا شاهدًا قاطعًا واضحًا حيًّا مجسّدًا (سلسليًّا ـ متوالية) على هذا البيان والتعبير والحقيقة الإلهية القرآنية السماوية، والسلام.

د) نفي كل شرك الوثنية ورفضه

ويمكن تناول هذا الشق وتحليله ـ باختصار ـ في عدة فئات.

أأ) نفي شرك اتخاذ هوى النفس وشهواتها إلهًا (صنمًا).

بب) نفي شرك اتخاذ المخلوقات المقدسة كالملائكة والأنبياء آلهة والوثنية.

جج) نفي شرك اتخاذ الجن وأمثالهم من الكائنات آلهة (أصنامًا).

دد) نفي شرك تقديس الكائنات الجامدة المجسمة والتماثيل (الأوثان والأصنام والتماثيل وغيرها) واتخاذها آلهة وأصنامًا. وإذا تناولناها كلًّا على حدة؛

أأ) النفس والهوى والأهواء؛ لها بنية وطبع قادران على تلقين وترويج السلبي المنكر السيئ والخباثة التي قد تصل إلى الشرك والكفر؛ ويمكنها أن ترفع مشاعرها وشهواتها الخبيثة إلى حد اتخاذها إلهًا (صنمًا). ومن الواضح أن نفي هذا ورفضه واقعية عقلية وفكرية ومنطقية وواجب وتكليف إيماني توحيدي وإنساني. لأنه بحكم واقع أنه لا خيار ولا مخرج للإنسان نفسه إلا العبودية لله والتسليم له، فإن محاولته اتخاذ مشاعره الخبيثة وأهوائه إلهًا (صنمًا) ستكون مثالًا لحماقة وشيطنة لا حدود لهما، ومن ثم فمن غير الحاجة إلى الشرح أن رفضها ونفيها بأشد وأعنف نفور ضروري وله الأولوية. نعم:

«إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي»[٨٩]؛ «وما أصابك من سيئة (شر) فمن نفسك»[٩٠]؛ «زُيّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث»[٩١]؛ «قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره (عذابه) والله لا يهدي القوم الفاسقين»[٩٢] فهذه الآيات الكريمة تعدّد العناصر الدنيوية والنفسانية الأساسية والأشياء والكائنات التي يُفتن بها أهل الهوى والشهوة ويبتلون بها؛ وتؤكد على موضوعات وأمور هي أن الميل المفرط للنفس والأهواء وشهيتها وشهوتها (من هذه القناة أيضًا) تنزلق إلى الوثنية وتنحرف إلى الشرك والكفر. لأن هذه الشهوات والميول المفرطة ستحفز على الميل والرغبة في الوصول إليها، وهذا يؤدي إلى اتخاذ خطوات قلبية وفكرية وقولية وفعلية لتحقيقها. وهذا الوضع والموقف ـ الذي يولّد، بقدر ما يشكّل تعارضًا وتناقضًا مع الأوامر الإلهية والرضا، الابتعاد عن التوحيد والحق أي عن الله ودين الإسلام، أي الشرك والكفر والطغيان ـ يصبح علة وسبب ومنبع ظهور وولادة الأنظمة والأخلاق والأفكار والأيديولوجيات ورؤى العالم المشركة.

«أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون»[٩٣]؛ «أرأيت من اتخذ إلهه هواه (رغباته وشهواته) أفأنت تكون عليه وكيلًا»[٩٤] هذه الآيات الكريمة تبيّن وتلفت الانتباه إلى المشاعر النفسانية الشيطانية والأهواء والرغبات والشهوات والأشواق، التي كانت عاملًا وسببًا مهمًّا في ولادة طواغيت كالنمرود الذي ادّعى ـ حاشا ـ الألوهية بقوله «أنا أحيي وأميت»[٩٥]؛ وفي طغيان فرعون عمليًّا، وهو طاغوت متشيطن، بعبارات مثل «ما علمت لكم من إله غيري»[٩٦]؛ «لأجعلنك من المسجونين إن اتخذت إلهًا غيري»[٩٧]؛ «لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم»[٩٨] و«أنا ربكم الأعلى»[٩٩]؛ وفي قيام قارون الخبيث بدور مضل للناس بتصريحات وتفاخر وتبختر من نحو «إنما أوتيته على علم عندي ولفضلي ونلت الكنوز والزينة وروعة المال والثروة»[١٠٠]؛ وفي ترويج السامري، الشعوذي، وثنية تمثال العجل الذي صنعه سبكًا من الحلي وحاول تقديمه إلهًا وقال «وكذلك سولت لي نفسي»[١٠١]؛ وطغيانات من هذا النوع كانت عاملًا وسببًا مهمًّا في ولادة الشركيات والكفران وفي ظهور الأفكار والتيارات والأنظمة والأشخاص الطاغوتية الشيطانية المدمرة المضلة والمفسدة في كل الأزمنة والأمكنة وتعاظمها.

وهكذا؛ فإن جميع المدارس الباطلة والأيديولوجيات ورؤى العالم والحياة والتيارات والأنظمة السياسية والاجتماعية والفلسفية الكثيرة التي نراها في عالم اليوم، مثل اللائكية والشيوعية والاشتراكية والليبرالية والفاشية والإنسانوية والحداثة والواقعية والعقلانية، تنشأ وتصدر إلى حد كبير (في الغالب) من كفر وشرك اتخاذ النفس والأهواء والشهوات إلهًا أي صنمًا؛ وهي العامل الرئيسي والمتسبب في تدحرج الحياة الإنسانية وجميع المجتمعات من هاوية إلى جحيم وجحيم. وإن نفي هذا ورفضه، أي شرك اتخاذ النفس والأهواء والشهوات صنمًا، بالكامل وبكل أبعاده وإزالة كل أنشطته وكل مظاهره (الأنفسية ـ الآفاقية، الجزئية والكلية) يظهر كضرورة وواجب عقلي وفكري وعلمي وإنساني ومنطقي، وهو ما سيصبح ممكن التحقق والوقوع بالابتعاد عن «ما سوى الله» أي الميدان والمجال الذي ترغب فيه النفس والأهواء وتعبده ـ أي كل فكر واهتمام وقول وفعل ـ حركة ورغبة ـ طلب وميل ـ اشتهاء وشهوة وفحشاء خارجة عن رضا الله تعالى (جل جلاله) ومرضاته ـ وقطع هذه العلاقة بالمخلوقات تمامًا، وقبول الأوامر والنواهي الإلهية أي أسس الشريعة الإسلامية حدًّا قاطعًا، والتوجه إلى تجلي الله تعالى (جل جلاله) الأبدي إلى أبد الآبدين والميل إلى «التوحيد الحقيقي»، إن شاء الله.

بب) من الواضح أن نفي شرك اتخاذ الملائكة والأنبياء وسائر المخلوقات المقدسة آلهة ورفضه في كل حال ضرورة عقلية وفكرية ومنطقية وإنسانية وله الأولوية أكثر. ذلك أن هذه الشخصيات النورانية المباركة العليا ـ وهي لب المخلوقات وصفوتها وكمالها، وهي في عبودية الله وعبادته في أعلى مرتبة وأكمل حال، وتحمل ألقاب أساتذة التربية التوحيدية ورواد وسادة ومعلمين كبار وسلاطين الذين علّموا ودرّسوا «التوحيد الحقيقي» في العالم الجزئي والكلي، الخاص والعام، بطريقة «علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين» ـ فمحاولة الأشخاص والأقوام الرذلاء أصحاب الأرواح الخبيثة استعمالها أداةً ووسيلةً لشركهم وكفرهم هي وقاحة وبلا حياء بلا حدود وستكون كذلك، وهذا واضح جدًّا. وهذا الموقف الملعون والضغط الذي يلفّ تلك الشخصيات العليا من أعماقها ويُرجفها بشدة، بيّنه ربنا العلي في القرآن الكريم هكذا: «وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم (قول الشرك والكفر) يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنّى يؤفكون. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا (وآلهة) من دون الله والمسيح ابن مريم (عيسى) وما أُمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا (فإنه) لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون»[١٠٢] ولما اطّلع عدي بن حاتم، الذي دخل الإسلام حديثًا من النصرانية، على هذه الآية الكريمة قال: «يا رسول الله! إننا لم نكن نتخذ علماءنا ورهباننا ربًّا ـ إلهًا.» فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أَلم تكونوا تحلّون ما أحلّوا وتحرّمون ما حرّموا؟» فقال عدي: «بلى»، فأجابه رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «هذا هو اتخاذهم آلهة.»

فـ«ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم (عشوائيًّا وكذبًا) الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب (وتشركوا) إن الذين يفترون على الله الكذب (الذين يضعون الأحكام بحق) لا يفلحون»[١٠٣] هذه الآية الكريمة تلفت الانتباه إلى هذا الجانب من الموضوع أي الشرك والكفر الناتج من جهة التشريع ووضع الأحكام؛ «…إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه (ألا تتبعوا إلا أحكامه) ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون»[١٠٤] «أفحكم الجاهلية (غير الإسلامي) يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون»[١٠٥]؛ «…ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، الظالمون، الفاسقون»[١٠٦] وآيات كريمة كثيرة كهذه أيضًا تصرّح بوضوح أن وضع الحكم والقانون والأمر والنهي مختص ومنتسب قطعًا إلى الله تعالى، وتؤكد أن وضع قانون وحكم وأمر ونهي خارج عن أحكام الله واتباعها شرك وكفر وطغيان قطعًا.

نعم؛ يواصل القرآن الكريم عرض آياته ذات الصلة. «وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال (عيسى) سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علّام الغيوب. ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدًا (رقيبًا ومراقبًا) ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد. إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم»[١٠٧]

«لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين (المشركين) من أنصار. لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسنّ الذين كفروا منهم (من الناس ـ المجتمعات) عذاب أليم»[١٠٨]؛ «(نعم) ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادًا لي من دون الله ولكن (يقول) كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون. ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون»[١٠٩]؛ «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء (مستوية ـ مشتركة) بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (أهل التوحيد الحقيقي)»[١١٠] وكذلك؛

«ويوم يحشرهم جميعًا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (في الدنيا). (قالت الملائكة ـ حاشا ـ) سبحانك (منزه عن كل نقص وعالٍ جدًّا) أنت ولينا (الواحد المطلق) من دونهم بل (هم، أولئك الكفار لا نحن) كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون»[١١١]؛ «لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته (يبتعد ويتحرج ويتجنب) ويستكبر (استكبارًا) فسيحشرهم إليه جميعًا (الله لعذابهم)»[١١٢]؛ «إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته (عن أن يكونوا عبيدًا) ويسبحونه وله يسجدون»[١١٣]. وهكذا…

فإذن؛ لما كانت أعلى المخلوقات كالملائكة والأنبياء مكلفة بعبادة الله والعبودية له، فإن سائر المخلوقات المقدسة (أولياء الله والعلماء والصالحين وغيرهم) أيضًا، وبالأولوية، مكلفة ومسؤولة بالعبودية لله والطاعة له؛ وليس لهم أي خيار سوى الالتزام بأحكام الله تعالى الإلهية ودعوة جميع الناس إلى ذلك الطريق. وإلا، أي الميل والعبادة والالتزام بقوانين وأحكام وشرائع وآراء وأنظمة غير أحكام الله وأوامره ونواهيه (ولو كانت آراءهم الشخصية الهوائية وقناعاتهم الثقافية ونظراتهم) ودعوة الناس إلى الالتزام بها، فهو شرك وكفر. ومن الواضح أن أصحاب هذه المظاهر المقدسة سيكونون بطبيعة الحال ـ حاشا ـ لا أولياء ولا مرشدين ولا علماء ولا صالحين، بل على العكس رواد كفر ضالين وطواغيت متشيطنين؛ والذين يتجهون إليهم ويتبعونهم ويؤمنون بهم سيصيرون مباشرة في موقع الشرك أي المشركين.

وبهذا المنظور ومن هذه الزاوية: إن الشخصيات المستجدة اليوم، وهي تتقمص دور القداسة وتضع أقنعة الولاية والإرشاد والنورسية والمشيخة والزعامة والخوجوية والأخوية والعلمية، وتحاول ـ بل وتبذل جهودًا كبيرة ـ من طرق مختلفة وبألاعيب وتكتيكات خناسية (وهذا ـ والعياذ بالله ـ باسم الدين والإيمان والإسلام(؟)) المدح والدفاع عن الشيطان الأكبر أمريكا وإسرائيل الصهيونية والبابوية ـ البطريركية وامتداداتهم الرسمية والمدنية في منطقتنا، أي النظام الحاكم الطاغوتي الملحد الظالم الخبيث الملعون ومؤسساته ومنظماته وقوانينه الشيطانية المتنوعة، وتجتهد في جرّ أتباعها ومريديها وتلامذتها وقاعدتها الشعبية المخدوعة المسكينة تدريجيًّا وبخبث إلى إعصار الشرك والردة والإلحاد المذكور؛ وبما تبديه من نموذج فرعونية ونمرودية وشيطنة وطاغوتية رهيبة، وإلى أي درجة هم مخلوقات ذليلة رذيلة خاسرة ضالة أولئك المساكين الذين يميلون ويرغبون ويعبدون ويطيعون هؤلاء المنافقين والملحدين المتقمصين القداسة الخبيثة باسم الإسلام(؟) والمقدسات(؟) ـ قد أُتيحت لنا إمكانية وملَكة الفهم واليقين من ذلك.

إن هذه الأشخاص والمؤسسات والتيارات الإلحادية والنفاقية والردة، التي هي في سباق في «العلمانية واللائكية والليبرالية والديمقراطية» التي هي أبرز أشكال الشرك والكفر في العالم الحديث وأكثرها انتشارًا وأشدها هيمنة[١١٤]، بينما تحاول تطوير وتثبيت تعريفات وتوصيفات مثل المسلم العلماني، والمسلم الديمقراطي، والمسلم الليبرالي، والمسلم الكمالي، والمسلم الحداثي ـ الغربي ـ الأمريكاني، والمسلم الإنساني ـ المتسامح، والمسلم الحداثي المعتدل (؟)، تقول: العلمانية صفة والإسلام اسم. هذان لا ينقض أحدهما الآخر بل يكمّله. «لو كان فلان الطاغوت حيًّا لكان منا ولابتعد عن الذين مروا اليوم كديمقراطيين.»؛ «الديمقراطي الحقيقي والكمالي الحق نحن.»؛ «أصل العلمانية والديمقراطية جيد جدًّا وجميل لكن تطبيقهما في منطقتنا سيئ، ولذلك علينا نحن المسلمين أن نتبنى العلمانية والديمقراطية الأصيلتين الحقيقيتين ونبذل كل جهدنا لجعلهما قابلتين للتطبيق الكامل.»؛ «كشف الرأس ومصافحة النساء والجلوس مختلطين متداخلين والمرح في الكوكتيلات والرقص والتمايل والاعتياد على العيش معًا مع الفاجرات والملحدين والذين يهاجمون الإسلام ويسبّونه، وغض النظر عن الشعائر الإسلامية قولًا وفعلًا (مثلًا عن التكبير والتهليل وكلمة التوحيد والعمامة واللحية والجبة والحجاب والحياء ـ الحجاب وعند اللزوم الصلاة والدين والإيمان والقرآن)، واتخاذ كلمات «علماني، ديمقراطي، ليبرالي، نموذج متحضر ومثقف» ذكرًا دائمًا ووردًا على اللسان هو من لوازم العصر والزمن الحديث، وبخاصة (بحسب الوضع الخاص ومتطلبات الشروط القائمة(؟)) لمنطقتنا وبلدنا، وهو الخيار الوحيد للحياة(؟)» ـ يشرحون ويفسرون هذا التأويل ويحاولون بلا حياء أن يُجلسوه على النصوص الإسلامية (؟) والأطر المقدسة والحمية (بمنطق شيطاني مختلَق)، وبذلك يحاولون إدخال جماهير المسلمين الواسعة في دائرة الردة ـ الإلحاد، وينظمون لهذا الغرض سلاسل ندوات ومؤتمرات وحلقات نقاش وملتقيات.

إن رفض ونفي جميع هذه المظاهر الملعونة (بكل أجزائها وأبعادها) التي هي شرك وكفر وردة ونفاق وإلحاد وطغيان وضلال من أولها إلى آخرها، والتي أساسها وهدفها أن يوضع عمليًّا النظام الطاغوتي الشيطاني الحاكم وأربابه ومراكز القوى المؤثرة ومؤسساتها في موقع ومنزلة الرب ـ الإله المطلق والمالك ـ السيد القادر الجبار، وأن تُبيد تمامًا وتُخفض إلى الصفر السيادة الإلهية والملكية والسلطة والربوبية والعبودية، أي الإسلام المحمدي الأصيل والثقافة والمدرسة القرآنية، في جميع المجالات السياسية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية والأخلاقية والفردية والأسرية وفي الحياة الإنسانية، يقف أمامنا واجبًا بالغ الأهمية وبالغ الضرورة عقليًّا وعلميًّا وفكريًّا ومنطقيًّا ووجدانيًّا وإنسانيًّا.

ولكي يُحفظ التوحيد الحقيقي، وليؤدي مهمته ووظيفته الإلهية النورانية المنعشة للحياة، وليُظهر خصيصته الإلهية القادرة على إنقاذ الحياة الإنسانية في الدنيا والآخرة، ينبغي أن يُرفض وينفى هذا الشق والبعد من الشرك والكفر بقوة كبيرة وعزم وجهد عظيم، وأن يتحقق ذلك في عالم العقل والفكر والتفكير وصولًا إلى الحياة العملية؛ وحيث إن هذه قضية مسلَّمة عند أصحاب العقل السليم، فمن الواضح أنه لا حاجة إلى مزيد تفصيل وشرح، والسلام.

  1. جج) إن نفي شرك «اتخاذ الجن والشياطين والمخلوقات غير المرئية كالأرواح الخبيثة آلهة وعبادتها» ورفضه عقليًّا وفكريًّا ومنطقيًّا ضرورة عقلية ومنطقية في كل حال، ومن غير الحاجة إلى الشرح أنه حقيقة رياضية يقبلها ويسلّم بها كل إنسان ذي عقل سليم، وبخاصة المسلم الذي هو في أكمل حال في هذا الأمر وينبغي أن يكون، دون تفكير.

وعبر تاريخ البشرية، وبخاصة المجتمعات الجاهلية البدوية المحرومة من ثقافة الوحي والبعيدة عنها، لما لم تخاطَب بدين الفطرة والتوحيد الحقيقي الكامن في فطرتها ولم تألفه، مالت واتجهت إلى معتقدات خاطئة وباطلة؛ ورأت نفسها في شرك وضلال اتخاذ المخلوقات الغيبية جزئيًّا كالجن والشيطان والأرواح الخبيثة ـ حاشا ـ ربًّا ـ إلهًا وعبادتها (على سبيل اللجوء بها وانتظار المعونة منها).

يُعلم أن الجن «من نار بلا دخان خالصة (من مارج من نار)»[١١٥]؛ «من نار السموم» مخلوقون[١١٦] (وأن إبليس، الشيطان الأول والأكبر، أيضًا من الجن[١١٧] ولأنه خُلق من نار أصابه الكبر والغرور فعصى أمر الله تعالى «اسجدوا لآدم!» وطُرد من الحضرة الإلهية شيطانًا رجيمًا، ولكي يؤدي دور الإضلال الشيطاني والإفساد ورسالته منحه الله تعالى (جل جلاله) (بمقتضى حكمته الإلهية ولغرض الامتحان) الإمكانية والقدرة ـ الاستطاعة والمهلة»[١١٨]، وأنه مع إخوانه وأصدقائه ومعاونيه الخناسين من جنس الجن والإنس[١١٩] بـ«جنوده»[١٢٠] وبـ«خيله ورَجِله»[١٢١] يشن «الهجوم من اليمين والشمال ومن الأمام والخلف»[١٢٢] لإدخال الناس ضعاف الإرادة قليلي الإخلاص والتقوى في الشرك والكفر وجعل الكائنات ذات الأرواح الخبيثة من الجن والإنس وإياه معبودًا وقطعهم عن دين الحق؛ مع هذه الطبيعة وإضافة إليها)؛ ويُشاهَد (من بيان القرآن الكريم ومن وقائع التاريخ واليوم) أنهم بما يملكون من إمكانية وخاصية نفاذة قوية مؤثرة محرقة خانقة قاتلة ومسمِّمة موازية لمواد الخلق وبنيته المذكورة قد حققوا نجاحات نسبية في إفساد الحياة الإنسانية وإضلالها وتخريبها وإبادتها بالشرك والكفر، ونجحوا، ولو بصورة محدودة، في إضلال غالبية الناس.

نعم؛ إن الزمرة الملعونة المؤلفة من الإنس والجن ذوي الأرواح الخبيثة بقيادة إبليس، والمسماة شيطانًا وشياطين، «العدو المبين الذي لا يرحم للإنسانية»[١٢٣]، يبيّن القرآن الكريم صراحةً أنها «تسلطت حتى على الأنبياء الكرام وحاولت دفعهم إلى سلبيات من قبيل التمنّي والوسوسة والإغواء والنزغ»[١٢٤]؛ وقد عُرضت قصة آدم (عليه السلام) في هذا الشأن لوحةً حية في كتاب الله؛ وأُكد أيضًا أن العباد المخلصين الصالحين كانوا محفوظين منهم بحفظ الله وصيانته. وإن الذين فسدت فطرتهم فانخدعوا بهذه النجاحات النسبية الجزئية (الناجمة عن التخريب والإفساد، والتي مُنحت لمحض سر الامتحان وحكمته) للشياطين من الأرواح الخبيثة والجن، بدأوا ينظرون إلى الشياطين، وبخاصة الجنية منها، على أنها كائنات خارقة، ويعبدونها أحيانًا ويتعبدون لها ويستغيثون بها، وبذلك افتتحوا «نهجًا جديدًا في الشرك والوثنية». وقد لفت القرآن الكريم الانتباه إلى هذا الموضوع بعدة آيات. ومنها:

«وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا. إن عبادي (الخلّص) ليس لك عليهم سلطان (قوة إلزام وسيادة)»[١٢٥]؛ «إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين»[١٢٦]؛ «ولقد صدّق عليهم (على الذين ينحرفون عن فطرتهم) إبليس (أبو الجن) ظنه (وعده) فاتبعوه إلا فريقًا (خالصًا) من المؤمنين. وما كان له عليهم (على الذين اتبعوه) من سلطان (قوة إلزام) إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك (مكّنا إبليس وذريته وأعوانه من هذا الإضلال) وربك على كل شيء حفيظ، يحفظ ويراقب»[١٢٧]؛ «أفتتخذونه (إبليس) وذريته (الجنية وأعوانه) أولياء من دوني وهم (جميعًا) لكم عدو؟ بئس للظالمين بدلًا. ما أشهدتهم (إبليس وذريته وأعوانه من الجن والإنس) خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين (أحدًا، وبخاصة المضلين) عضدًا (وأنا منزّه عن ذلك غني بريء إلى ما لا نهاية)»[١٢٨]. وكذلك؛

«(الله تعالى) ويوم يحشرهم جميعًا (المشركين) ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون. (قالت الملائكة:) سبحانك أنت ولينا (الواحد المطلق: صديقنا وملاذنا) من دونهم (حاشا) أبدًا؛ بل كانوا يعبدون الجن (لأن) أكثرهم بهم مؤمنون»[١٢٩]؛ «(الله تعالى، وهو خالق كل شيء ورازقه) وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم (وقد خلقهم هو الله تعالى)»[١٣٠]؛ «وأنه كان رجال من الإنس (قليلو العقل) يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقًا (طغيانًا)»[١٣١]؛ «ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء (يقولون) ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى»[١٣٢]؛ «إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك (الذنوب) لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالًا بعيدًا. إن يدعون (بعض المشركين) من دونه إلا إناثًا (من المخلوقات) وإن يدعون إلا شيطانًا مريدًا (منقطعًا عن كل خير وعنيدًا)»[١٣٣]. وكذلك؛

نعم؛ «(المشركون) ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم. (مثلهم) كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين»[١٣٤]؛ «إذ تبرأ الذين اتُّبعوا (من الشياطين الجن والإنس) من الذين اتبعوا (بالدعاء والعبادة والطاعة) ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب (الروابط والعلاقات كالعبادة والتعبد). وقال الذين اتبعوا (الذين كانوا يُدارون): لو أن لنا كرّة (الرجوع إلى الدنيا) فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا. كذلك يريهم الله أعمالهم (شركهم وكفرهم وطغيانهم) حسرات (وندامات شديدة المرارة) عليهم وما هم بخارجين من النار»[١٣٥]؛ «إذ قال (إبراهيم) لأبيه يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان (الإنسي والجني) كان للرحمن (الله) عصيًّا. يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليًّا»[١٣٦]؛ «ألم أعهد (أوصيكم) إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم. ولقد أضل منكم (الشيطان من الجن والإنس) جبلًّا كثيرًا (أجيالًا) (بالشرك والكفر والطغيان) أفلم تكونوا تعقلون. هذه جهنم التي كنتم توعدون اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون»[١٣٧]

وفي النهاية؛ «وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان (قوة إلزام) إلا أن دعوتكم (إلى الشرك والكفر والطغيان والضلال) فاستجبتم لي (طوعًا) فلا تلوموني (أولًا) ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ. إني كفرت بما أشركتمون من قبل (بالله) (وإنما كنت خدعتكم وغررت بكم)»[١٣٨] إلخ…

وهكذا فإن تجاوز المخلوقات ـ غير الخالقة، بل المخلوقة التي هي في عجز وفقر وحاجة بآلاف الدرجات، المصابة في كل لحظة برياح الفناء والعدم والزوال، المحكوم عليها، والتي تواجه حقيقة قطعية إلهية أبدية كالموت ـ حدودها وطغيانها، وإقدامها بوقاحة على التدخل (الشرك والكفر) في حدود العبودية والربوبية والألوهية لله تعالى وتقدّس (جل جلاله)، وجعلها بعض الناس يعبدون نفسها أو آراءها وقناعاتها أو فانيًا آخر ومخلوقًا آخر، أي يطيعونها ويقتدون بها ويتبعونها، فيتعبدون لها وبذلك تتصدى لدور الألوهية والربوبية (؟)، أي القيادة في نوع من أنواع الوثنية، ما أعظمه من نموذج لا مثيل له للوحشية والجريمة والضلال والفاجعة، وإن الناس الذين يتخذون مثل هذه المخلوقات ـ حاشا ـ آلهة وأربابًا ومالكين وحكامًا، أي يعبدونها ويتعبدون لها بقبول أفكارها وآرائها وأوامرها ونواهيها قوانين وأحكامًا ومبادئ ونظرة للعالم وفلسفة للحياة تُتبَّع وستتبَّع، هم كائنات أضل وأدنى وأرذل وأقل شخصية وكرامة وأوحش منهم (ممن يجعلون أنفسهم آلهة، أي أصنامًا) ـ يُفهم هذا هكذا قطعًا، أي بالعقل السليم وأمام الحقائق الإلهية المعروضة، كقضية محكمة. لأن أعلى المخلوقات وأقدسها، من أمثال الملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين، هم في عبودية مطلقة لله تعالى (جل جلاله) بكل ذرات وجودهم، في وجد كبير وجذب وعشق وشوق وخشوع وخشية واستغراق وتسليم، بالتسبيح والتهليل والذكر والركوع والقيام والقعود والسجود، وهم مكلفون بذلك اضطرارًا وإرادةً واختيارًا، فطرةً وأخلاقًا وعقلًا وشرعًا (إيمانيًّا ـ عقديًّا) وإنسانيًّا؛ وإن اتخاذ هذه المخلوقات العابدة المقدسة نفسها ـ حاشا ـ آلهة وأربابًا والتعبد لها، أي إعطاؤها مراتب وحصصًا من الأسماء والأوصاف والصفات التي هي لله تعالى (جل جلاله) كالعبودية والربوبية والألوهية (أي للملائكة والأنبياء والأولياء)، شرك وكفر مطلق، وفاعله وذاهبه ومعتقده مشركون وكفار مطلقون قطعًا في الحال وفي المستقبل ـ وهي حقيقة رياضية؛ ومن ثم فإن منح هذه الصفات الإلهية المذكورة للأرواح الخبيثة والشياطين من جنس الإنس والجن سيكون شركًا عظيمًا مضاعفًا وكفرًا مطلقًا أشد تعددًا لطبقاته، وسيكون الناس الذين يفعلون ذلك في حال كائنات خبيثة أدنى من الشياطين، ومقرهم الدنيوي والأخروي أسفل سافلين؛ ولا حاجة إلى شرح.

نعم؛ إن جميع الموجودات الأخرى غير الله تعالى، «الواحد الأحد، واجب الوجود، الحي القيوم، الخالق الجبار، البارئ المصوّر، رزّاق العالم، الرحمن الرحيم، القادر المطلق»، وكلها مخلوقة من الله تعالى (جل جلاله)، هي عبد الله وملكه ومملوكه. ولا يكون ولا يمكن أن يكون لأي منها وصف أو حق أو تأثير أو سلطة الألوهية والربوبية. وأن اتخاذ الملائكة والأنبياء والأولياء (أشخاصهم أو رموزهم) آلهة وأربابًا، ولو جزئيًّا ونسبيًّا، واعتبارهم ـ حاشا ـ شركاء ومعاونين ومستشارين وأولادًا وعيالًا لله والتعبد لهم بالعبادة ـ الدعاء، وبذلك اتخاذهم معبودين وأربابًا وآلهة، هو بالطبع إهانة عظيمة هائلة وجريمة في حق عظمة الله تعالى (جل جلاله) وكبريائه وفي حق عباده المخلصين الملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين، بل في حق الموجودات؛ ولذلك، وبالنظر إلى أنه قد ظهر (في البند السابق) أن نفي هذا الشرك، أي شرك اتخاذ الملائكة والأنبياء وسائر المخلوقات المقدسة آلهة وأربابًا، ضرورة عقلية وفكرية وعلمية ومنطقية وإنسانية لتحقق التوحيد الحقيقي، فمن الواضح أن الأولوية في هذا البند تكون لرفض ونفي الشرك المذكور فيه، أي اتخاذ الجن والشياطين والمخلوقات غير المرئية كالأرواح الخبيثة آلهة وعبادتها، عقليًّا وفكريًّا وعلميًّا ومنطقيًّا بأشد نفور. ومن المستحيل تمامًا أن يتردد في هذا من كانت فطرته وعقله السليم سليمة ولو قليلًا.

وبهذه المناسبة، نختم هذا البند ـ بإيجاز شديد ـ بالإشارة إلى شرك نسبة الولد والزوجة إلى الله تعالى ـ حاشا ـ، وبذلك نسبة النقص والتقصير والضعف إليه، وإلى ضرورة نفيه عقليًّا وفكريًّا وعلميًّا ومنطقيًّا، إن شاء الله.

«(المشركون:) قالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه (الله العظيم الشأن، منزه عن مثل هذه وكل أنواع النقص والضعف والتقصير) بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون. بديع السماوات والأرض (بلا مثال) وإذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون[١٣٩]؛ «وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح (عيسى) ابن الله ذلك قولهم بأفواههم (الكذب ـ الافتراء) يضاهئون قول الذين كفروا من قبل (أهل الكفر). قاتلهم الله أنّى يؤفكون (من الحق إلى الباطل)»[١٤٠]. وإضافة إلى ذلك فإن النصارى، وهم من أهل الكتاب، قد تميزوا بشرك عقيدة التثليث (ثلاثة آلهة).[١٤١] وكذلك؛

«…وخرقوا له (لله) بنين وبنات (نسبوا) بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون. بديع السماوات والأرض (مبدعهما بلا مثال) أنّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة (زوجة) وخلق كل شيء (وفوق ذلك) وهو بكل شيء عليم»[١٤٢]؛ «وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا لقد جئتم شيئًا إدًّا. تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًّا أن دعوا للرحمن ولدًا. وما ينبغي للرحمن (الله) أن يتخذ ولدًا. إن كل من في السماوات والأرض (كل أحد وكل شيء) إلا آتي الرحمن عبدًا»[١٤٣]. نعم؛

«(عيسى) قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيًّا…، …ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه (تنزّه وتعالى) إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون. وإن الله ربي وربكم فاعبدوه (وحده فقط). هذا صراط مستقيم»[١٤٤]؛ «فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجًا ومن الأنعام أزواجًا (أزواجًا) يذرؤكم (يخلقكم وينشركم) فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر (بالمقدار الذي يشاء) إنه بكل شيء عليم»[١٤٥]؛ «قل هو الله أحد الله الصمد (لا يحتاج إلى شيء وكل شيء يحتاج إليه) لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد (لا مثيل له)»[١٤٦]. وفي النهاية؛

«وقل الحمد لله (كل حمد وثناء) الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي (مستشار) من الذل (لا حاجة له إلى أي معين) وكبّره تكبيرًا (عظّمه وأعلِ شأنه إلى ما لا نهاية)»[١٤٧]. وهكذا؛

فإذن؛ كما أن نفي شرك نسبة كل وصف وصفة عارضة ومكتسبة ومصطنعة إلى الله تعالى (جل جلاله) ـ كالولادة والإنجاب والزوال والفراق (الموت) والعجز والضعف والخطأ والتقصير والنقص والعيب وعدم القوة والحاجة إلى شيء أو شخص ـ ضرورة عقلية وفكرية وإنسانية ومنطقية، فكذلك يُفهم قطعًا أن اتخاذ الكائنات المتصفة بهذه الأوصاف والصفات المذكورة، وكلها مخلوقة، آلهة وأربابًا وعبادتها (طاعتها والانقياد لها)، أي أي كائن غير الله تعالى (جل جلاله)، وبخاصة الخناسين المتشيطنين من الجن والإنس والكائنات ذات الأرواح الخبيثة المذكورة في هذا البند، وشرك وضع الحكم والحكم والولاية والتوجيه واستعباد الناس وجعلهم رعية، وقبولهم واتخاذهم دستورًا والانقياد لهم والتعلق بهم واتباعهم، ينبغي أيضًا رفضه ونفيه بكل أبعاده، وأن هذا ضرورة عقلية وفكرية وعلمية وإنسانية ووجدانية ومنطقية، وأن خلافه لا يمكن أن يتخيله أحد. ومن الواضح أن هذا يعني رفض ونفي جميع الأيديولوجيات البشرية ورؤى العالم وأنظمة الحياة والأنظمة والتيارات الطاغوتية والأخلاق والثقافات والفلسفات، غير دين الله الإسلام، رفضًا ونفيًا تامًّا.

  1. من الواضح تمامًا أن رفض ونفي وثنية اتخاذ الكائنات الجامدة في السماوات والأرض والأشكال من نوع الصنم ـ الوثن ـ التمثال والمنشآت والتماثيل وسائر المخلوقات المجسمة أو المجردة آلهة وشركها عقليًّا وفكريًّا وعلميًّا ومنطقيًّا هو أيضًا عنصر وشق ولازمة بالغة الأهمية لمرحلة النفي من أجل ثبوت التوحيد الحقيقي الخالص وتقرره. وسيكون من الأنفع، إن شاء الله، أن تُحلَّل هذه ولو بإيجاز في ثلاثة عناوين رئيسية منفصلة.

ألف ألف ألف) من المعلوم أن كل عقل سليم يسلّم ويقبل فورًا بأن نفي وثنية وشرك اتخاذ الأجرام والكائنات السماوية كالقمر والشمس والنجوم آلهة وعبادتها والتوجه إليها وطلب العون منها ورجاء النفع والضر منها، وبذلك عدّها فاعلًا مختارًا وتقديسها، قضية ولازمة وضرورة عقلية وفكرية وعلمية ومنطقية. فمادام لا يجوز ولا يمكن اتخاذ المخلوقات الحية ذات الروح والعقل والشعور والإرادة، مثل الجن والإنس بل حتى أقدس المخلوقات وهم الملائكة والأنبياء والأولياء والصالحون، أربابًا وآلهة، ولا التعبد لهم ـ حاشا ـ ولا إشراكهم (ولو جزئيًّا ونسبيًّا) بالله تعالى (جل جلاله) ولا تخصيص حصص لهم في الأمور كالعبودية والربوبية والألوهية، فإن نسبة هذه، أي العبودية والربوبية والألوهية، إلى الكائنات الجامدة التي لا حياة لها ولا روح ولا عقل ولا شعور ولا إرادة، المحرومة من الأوصاف والصفات والخصائص والوظائف، لا تكون جائزة ولا ممكنة من باب أولى، وأن العقل والمنطق أشد نفورًا منها، وأن فاعليها في ضلال مضاعف أكبر، يعرفه يقينًا كل عقل سليم، ومن غير الحاجة إلى الشرح. نعم؛ إن سيدنا إبراهيم (عليه السلام)، الذي شاهد في مقام الإيمان اليقيني ملكوت السماوات والأرض في جداله مع أبيه آزر[١٤٨]، يلفت الانتباه بلغة القرآن إلى هذه الحقيقة الإلهية على النحو التالي، في مقام بيان مرحلة النفي المذكورة في التوحيد الحقيقي وتقريرها.

[١] الحج:٧٣

[٢] لقمان: ١٣

[٣] الأنعام: ٥٧، ٦٢؛ يوسف: ٤٠، ٦٧؛ غافر: ١٢

[٤] آل عمران: ٢٨

[٥] آل عمران: ١١٨

[٦] المائدة: ٥١-٥٢

[٧] المائدة: ٥٧

[٨] المائدة: ٨١

[٩] انظر؛ هود: ١١٣

[١٠] انظر؛ الأنعام: ١٠٦، التوبة: ٣، الحجر: ٩٤

[١١] المجادلة: ٢٢؛ تقريبًا؛ آل عمران: ١١٩-١٢٠؛ التوبة: ٢٣-٢٤

[١٢] آل عمران: ١٧٥؛ تقريبًا؛ البقرة: ١٥٠

[١٣] انظر؛ آل عمران: ٢٨، النحل: ١٠٦، طه: ٤٥-٤٦، ٦٨

[١٤] انظر؛ المائدة: ٥٢-٥٣

[١٥] انظر؛ النساء: ٧٧، المائدة: ٢١-٢٦؛ الأنعام: ١٢١؛ الأحزاب: ١٩؛ الحشر: ١٣؛ المنافقون: ٤

[١٦] انظر؛ البقرة: ١٢٠؛ آل عمران: ١٠٠، ١٤٩؛ الأنعام: ١٢١؛ تقريبًا؛ العنكبوت: ٨؛ لقمان: ١٥؛ إلخ…

[١٧] البقرة: ٢٦٨

[١٨] النساء: ٣٧، تقريبًا؛ الحديد: ٢٤

[١٩] الإسراء: ٢٧

[٢٠] البقرة: ١٦٩؛ تقريبًا؛ الأنعام: ١٥١، النور: ٢١ وما شابه

[٢١] الفرقان: ٤٣؛ الجاثية: ٢٣

[٢٢] البقرة: ١٢٠؛ تقريبًا، ١٤٥؛ الرعد: ٣٧

[٢٣] القصص: ٥٠

[٢٤] الشورى: ١٥

[٢٥] آل عمران: ١٤؛ تقريبًا، الكهف: ٤٦؛ طه: ١٣١؛ التوبة: ٢٤؛ الشورى: ٣٦؛ الزخرف: ٣٣؛ الأحقاف: ٢٠؛ الحديد: ٢٠؛ التغابن: ١٤-١٥

[٢٦] انظر؛ صحيح مسلم، كتاب الفتن: ١٢٠-١٢٧؛ ترجمة أحمد داود أوغلو: ١١: ٤١٢؛ سنن ابن ماجه، كتاب الفتن: ٣٣-٣٥؛ ترجمة ١٠: ٣٣١-٣٣٩؛ وما شابه

[٢٧] الشعاعات (طبعة ١٩٥٩)، الشعاع الخامس، ص: ٣٨٢

[٢٨] الشعاعات، الشعاع الخامس، ص: ٣٧٢، ٣٧٥

[٢٩] الشعاعات، الشعاع الخامس، ص: ٣٧٣

[٣٠] الشعاعات، الشعاع الخامس، ص: ٣٧٥

[٣١] الشعاعات، ص: ٣٧٦

[٣٢] الشعاعات، ص: ٣٨٣

[٣٣] الشعاعات، ص: ٣٨٤-٣٨٥

[٣٤] اللمعات، اللمعة السابعة عشرة، ص: ١٠٤-١٢٨

[٣٥] البقرة: ٢٩؛ الأنعام: ١-٦، ١٢-١٦، ٧٣، ١٠١-١٠٤؛ الأعراف: ٥٤-٥٨؛ يونس: ٣-٦؛ هود: ٧؛ إبراهيم: ١٩-٢٠، ٣٢-٣٣؛ النحل: ٣-٤، ٧٧-٨١؛ الإسراء: ٩٩؛ الأنبياء: ٣٠-٣٣، ٥٦؛ النور: ٤١-٤٥؛ الفرقان: ٢، ٤٥-٥٤، ٥٩-٦٤؛ النمل: ٦٠-٦٥؛ العنكبوت: ٤٤، ٦١؛ الرعد: ١٦؛ فاطر: ٣؛ لقمان: ١٠-١١، ٢٠، ٢٥-٢٨؛ السجدة: ٤-٩؛ الزمر: ٥-٦، ٣٨، ٤٦، ٦٢-٦٣؛ الجاثية: ٢٢، ٢٦-٢٧؛ الأحقاف: ٣٣-٣٤؛ الحديد: ٤-٦؛ غافر: ٦٢؛ الحشر: ٢٢-٢٤؛ التغابن: ١-٤؛ الطلاق: ١٢؛ الملك: ١-٥؛ الحجر: ٨٥-٨٦؛ ق: ٣٨؛ القلم: ١١-٢٠؛ إلخ…

[٣٦] العنكبوت: ٦١؛ تقريبًا؛ لقمان: ٢٥؛ الزمر: ٣٨؛ الزخرف: ٩

[٣٧] انظر؛ الحج: ٧٣-٧٤

[٣٨] الصافات: ٩٦

[٣٩] الزمر: ٦٢

[٤٠] الإسراء: ٧٠

[٤١] التين: ٤

[٤٢] البقرة: ٣٠؛ الأنعام: ١٦٥

[٤٣] الكهف: ٣٧؛ الحج: ٥؛ الروم: ٢٠؛ فاطر: ١١؛ غافر: ٦٧

[٤٤] السجدة: ٧

[٤٥] الصافات: ١١

[٤٦] المؤمنون:١٢

[٤٧] الحجر: ٢٦،٢٨

[٤٨] الرحمن: ١٤

[٤٩] النساء: ١؛ الأنعام: ٩٨-٩٩؛ الأعراف: ١٨٩؛ الزمر: ٦؛ الروم: ١٩-٢٧

[٥٠] الواقعة: ٥٧-٥٩

[٥١] الطارق: ٥-٧

[٥٢] الفرقان: ٥٤

[٥٣] السجدة: ٧-٩؛ تقريبًا؛ الكهف: ٣٧؛ المرسلات: ٢٠-٢٣

[٥٤] الإنسان: ٢-٣

[٥٥] الحج: ٥

[٥٦] المؤمنون: ١٢-١٦؛ تقريبًا؛ النساء: ١؛ فاطر: ١١؛ الزمر: ٦؛ غافر: ٦٧-٦٩

[٥٧] النحل: ٣-٤

[٥٨] يس: ٧٧

[٥٩] انظر؛ النساء: ٢٨

[٦٠] الإسراء: ١١؛ الأنبياء: ٣٧

[٦١] الكهف: ٥٤؛ الزخرف: ٥٨

[٦٢] إبراهيم: ٣٤؛ الإسراء: ٦٧؛ الحج: ٦٦؛ الأحزاب: ٧٢؛ الشورى: ٤٨؛ الزخرف: ١٥؛ الحشر: ١٦؛ القيامة: ٥؛ عبس: ١٧؛ العلق: ٦-٧؛ العاديات: ٦؛ العصر: ٢

[٦٣] البقرة: ١٧-٢٠، ١٧١؛ الروم: ٥٢-٥٣؛ الأعراف: ١٧٩،١٩٨؛ الأنفال: ٢٢، ٣٧، ٥٥؛ الحج: ٤٦؛ الفرقان: ٤٣-٤٤؛ فصلت: ٤٤؛ يونس: ٤٢-٤٣؛ الإسراء: ٩٧؛ الأنبياء: ١٥-٤٦؛ النمل: ٨٠-٨١؛ الزخرف: ٤٠؛ الأحقاف: ٢٦

[٦٤] النساء: ١٤٥؛ التين: ٥

[٦٥] البقرة: ٩-١٢؛ آل عمران: ٦٩؛ الأنعام: ٢٦، ١٢٢-١٢٣؛ النمل: ٥٠؛ العنكبوت: ٥٣

[٦٦] آل عمران: ٦٦؛ النساء: ١٥٧؛ الأنعام: ٣٧، ١٠٠، ١٠٨، ١١٩، ١٤٠، ١٤٤، ١٤٨؛ يوسف: ٤٠، ٦٨؛ الروم: ٦، ٥٩؛ الحج: ٣، ٨-٩، ٧١؛ لقمان: ٢٠-٢١؛ الأعراف: ١٣١، ١٣٨-١٣٩، ١٨٦-١٨٧؛ البقرة: ١٣، ١٠٢-١٠٣؛ هود: ٢٩-٣٠؛ التوبة: ٦؛ يونس: ٥٥؛ النحل: ٢١، ٢٥، ٣٨، ٧٥، ١٠١؛ سبأ: ٢٨، ٣٦؛ الزمر: ٢٩، ٤٨-٥٠؛ غافر: ٥٧-٥٨، ٦٩-٧٦؛ الدخان: ٣٩؛ الجاثية: ١٨، ٢٦؛ الطور: ٤٧؛ المنافقون: ٨

[٦٧] الأنعام: ٢٥؛ الأعراف: ١٧٩؛ الأنفال: ٦٥؛ التوبة: ٨١، ٨٧، ١٢٧؛ الإسراء: ٤٦؛ الكهف: ٥٧؛ الروم: ٧-١٠

[٦٨] البقرة: ١٧١؛ المائدة: ٥٨، ١٠٢؛ الأنفال: ٢٢؛ يونس: ٤٢، ١٠٠؛ الفرقان: ٤٤؛ العنكبوت: ٦٣-٦٨؛ الزمر: ٤٢-٤٥؛ الحشر: ١٣-١٤

[٦٩] المطففين: ١٤

[٧٠] البقرة: ٨٨؛ النساء: ١٥٥

[٧١] آل عمران: ١٥١؛ الأنفال: ١٢؛ الحشر: ٢

[٧٢] آل عمران: ٧؛ سبأ: ١٢؛ الصف: ٥

[٧٣] البقرة: ٧٤؛ المائدة: ١٣؛ الأنعام: ٤٣

[٧٤] البقرة: ١٠؛ المائدة: ٥٢؛ الأنفال: ٤٩؛التوبة: ١٢٥؛ الحج: ٥٣؛ النور: ٥٠؛ الأحزاب: ١٢-١٤، ٦٠-٦٢؛ محمد: ٢٠، ٢٨-٣٠؛ المدثر: ٣١

[٧٥] النساء: ١٥٥؛ الأعراف: ١٠١؛ التوبة: ٨٧، ٩٣؛ يونس: ٧٤؛ الروم: ٥٥-٥٩؛ غافر: ٣٥؛ محمد: ١٦؛ المنافقون: ٣

[٧٦] البقرة: ٧؛ الأنعام: ٤٦؛ النحل: ١٠٨؛ الجاثية: ٢٣

[٧٧] التوبة: ٢٨، ١٢٥؛ آل عمران: ١٧٩؛ الأنفال: ٣٧

[٧٨] المائدة: ١٠٤

[٧٩] الأنبياء: ٥٢-٥٤؛ تقريبًا؛ الشعراء: ٧٤-٧٦

[٨٠] لقمان: ٢١

[٨١] الصافات: ٦٨-٧١

[٨٢] الزخرف: ٢٢-٢٥؛ تقريبًا انظر؛ الأعراف: ٢٨، ٧٠؛ يونس: ٧٨؛ هود: ٦٢، ٨٧؛ إبراهيم: ١٠؛ النحل: ٣٥-٣٧؛ المؤمنون: ٢٤-٢٥؛ القصص: ٣٦

[٨٣] انظر؛ آل عمران: ١٧٩؛ المائدة: ٩٠؛ الأنعام: ١٢٥؛ الأعراف: ٧١؛ الأنفال: ٣٧؛ التوبة: ٢٨، ٩٥، ١٢٥؛ يونس: ١٠٠؛ الحج: ٣٠؛ النور: ٢٦

[٨٤] الأعراف: ١٧٦

[٨٥] الجمعة: ٥

[٨٦] المدثر: ٥٠-٥١

[٨٧] الأنفال: ٢٢، ٥٥

[٨٨] الأعراف: ١٧٩؛ البقرة: ١٧١؛ الفرقان: ٤٤

[٨٩] يوسف: ٥٣

[٩٠] النساء: ٧٩

[٩١] آل عمران: ١٤

[٩٢] التوبة: ٢٤؛ تقريبًا؛ ٢٣، ٥٥؛ الكهف: ٣٣-٤٦؛ القصص: ٧٦-٨٤؛ الزخرف: ٣٣؛ الأحقاف: ٢٠؛ الحديد: ٢٠

[٩٣] الجاثية: ٢٣

[٩٤] الفرقان: ٤٣

[٩٥] البقرة: ٢٥٨

[٩٦] القصص: ٣٨

[٩٧] الشعراء: ٢٩

[٩٨] الأعراف: ١٢٤، طه: ٧١،الشعراء: ٤٩

[٩٩] النازعات: ٢٤

[١٠٠] القصص: ٧٦-٨٤؛ (على سبيل الإشارة)

[١٠١] طه: ٨٨-٩٦ وما شابه؛ (على سبيل الإشارة)

[١٠٢] التوبة: ٣٠-٣١

[١٠٣] النحل: ١١٦

[١٠٤] يوسف: ٤٠، تقريبًا ٦٧، الأنعام: ٥٧؛ القصص: ٧٠، ٨٨؛ الممتحنة: ١٠ وما شابه

[١٠٥] المائدة: ٥٠

[١٠٦] المائدة: ٤٤-٤٥، ٤٧

[١٠٧] المائدة: ١١٦-١١٨

[١٠٨] المائدة: ٧٢-٧٣؛ تقريبًا، النساء: ١٧-١٨، ١٧١

[١٠٩] آل عمران: ٧٩-٨٠

[١١٠] آل عمران: ٦٤

[١١١] سبأ: ٤٠-٤١

[١١٢] النساء: ١٧٢

[١١٣] الأعراف: ٢٠٦

[١١٤] انظر، المائدة: ٥٢-٥٣

[١١٥] الرحمن: ١٥

[١١٦] الحجر: ٢٧

[١١٧] الكهف: ٥٠

[١١٨] البقرة: ٣٤-٣٨؛ المائدة: ٩٠-٩١؛ الأعراف: ١١-٢٤، ٢٧؛ الحجر: ٢٨-٤٣؛ الإسراء: ٦١-٦٥؛ طه: ١١٦-١٢٣؛ إبراهيم: ٢٢؛ سبأ: ٢١-٢٢؛ ص: ٧١-٨٥؛ الزخرف: ٣٦-٤٠؛ الحشر: ١٦

[١١٩] النساء: ٣٨؛ الأعراف: ٢٧، ١٧٥؛ الأنعام: ١١٢-١١٣، ١٢٨؛ مريم: ٤٥؛ الإسراء: ٢٧؛ المجادلة: ١٩؛ الزخرف: ٣٦-٣٧؛ الفلق: ٤؛ الناس: ٤-٦ وما شابه

[١٢٠] الشعراء: ٩٥

[١٢١] الإسراء: ٦٤

[١٢٢] الأعراف: ١٦-١٧

[١٢٣] الأعراف: ٢٢-٢٤؛ يوسف: ٥، ١٠٠؛ الإسراء: ٥٣، ٦٤؛ فاطر: ٦؛ يس: ٦٠؛ الزخرف: ٦٢

[١٢٤] الأنعام: ١١٢-١١٣؛ الحج: ٥٢-٥٤؛ فصلت: ٣٦

[١٢٥] الإسراء: ٦٤-٦٥

[١٢٦] الحجر: ٤٢

[١٢٧] سبأ: ٢٠-٢١

[١٢٨] الكهف: ٥٠-٥١

[١٢٩] سبأ: ٤٠-٤١

[١٣٠] الأنعام: ١٠٠

[١٣١] الجن: ٦

[١٣٢] الزمر: ٣

[١٣٣] النساء: ١١٦-١١٧

[١٣٤] الحشر: ١٦

[١٣٥] البقرة: ١٦٦-١٦٧؛ تقريبًا؛ الأنعام: ١٢٨-١٣٠؛ الأعراف: ٢٠٢؛ إبراهيم: ٢١-٢٢؛ الشعراء: ٩٥-١٠٢؛ القصص: ٦٢-٦٦؛ العنكبوت: ٢٥؛ سبأ؛ ١٤، ٢٢-٣٣، ٤٢؛ الصافات: ٢٠-٣٥، ١٥٨؛ ص: ٥٥-٦٤؛ غافر: ٤٧-٥٢؛ فصلت: ١٩-٢٩؛ الكهف: ٥٢-٥٣

[١٣٦] مريم: ٤٢، ٤٤-٤٥

[١٣٧] يس: ٦٠-٦٤

[١٣٨] إبراهيم: ٢٢

[١٣٩] البقرة: ١١٦-١١٧

[١٤٠] التوبة: ٣٠

[١٤١] انظر؛ النساء: ١٧١، المائدة: ١٨، ٧٣ وما شابه

[١٤٢] الأنعام: ١٠٠-١٠١

[١٤٣] مريم: ٨٨-٩٣؛ تقريبًا؛ الجن: ٣-٤، الكهف: ٤-٥؛ يونس: ٦٨-٧٠؛ الأنبياء: ٢٦-٣٣؛ المؤمنون: ٩٠-٩٢؛ الفرقان: ٢-٣؛ الزمر: ٤-٧؛ الصافات: ١٤٩-١٥٥؛ الزخرف: ٨٠-٨٥؛ النجم: ٢١-٢٢

[١٤٤] مريم: ٣٠، ٣٥-٣٦

[١٤٥] الشورى: ١١-١٢

[١٤٦] الإخلاص: ١-٤

[١٤٧] الإسراء: ١١١

[١٤٨] الأنعام: ٧٤-٧٥

اكتب ردًّا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *